القناع في أعمال التشكيلي برهان سابير

المقاله تحت باب  محور النقد
في 
27/09/2008 06:00 AM
GMT



 
 

  ليست مصادفة ان يشتغل أكثر من فنان تشكيلي كردي( في كردستان العراق) على موضوعة القناع الإنساني وخاصة في العقدين أو الثلاثة عقود الأخيرة على حد علمي. وان كان التشكيل كفرع من فروع الثقافة الإنسانية الأكثر قربا من تحولات الذاكرة الجمعية والبيئية المشيئة بفعل الإرادة المنطلقة, أو المحتبسة. فان الأمر لا يبدو غريبا إذا ما علمنا بان الرأس هو مركز التعبير وإشعاع الجسد بما يملكه من جزئيات يشكل كل منها محركا وجدانيا ديناميكيا هائلا, إذا ما استحوذ الفنان على سحرها وحركها أو شكلها مثل ما ينوي من تفجير قدراتها التعبيرية. وان كانت الأقوام التي سميت بالبدائية حسب مقاييسنا الحضارية الآنية وليس حسب المقياس التاريخي الأركيولوجي , استحوذت على الرأس قناعا وعممته على معظم فعالياتها السحرية والدنيوية الحيوية. وأنتجت لنا إرثا ثمينا استطاع ان يحرك مفاصل التشكيل الأوربي في أحرج أزمنته ويخرجه من محنة انسحاقه تحت وهم تقليد الواقع والتماهي وسلبية انعكاس صورته اليقينية التي لم تعد كذلك بسبب من حراك المكتشفات العلمية. وبما ان القلب هو مركز العاطفة والغليان, ومكمن الأسرار العصية على الانمحاء غالبا, ولكونه اختار مكان إقامته مختفيا خلف تلافيف أنسجته الداخلية. فقد أودع مستودع غليانه الرأس للحد الذي لم تستطع ملامح هذا الرأس من إخفاء تحولات انفعالاته. ورأس أو قناع بهذه المواصفات لا يستطيع الفنان الاستغناء عنه مفردة قابلة للبوح عن معاناة وجدانية أو جماعية وهي حالة لم تكن غائبة في كل الأحوال عن التاريخ الحديث لكردستان العراق والفنان(برهان سابير)اضمر كل ذلك في منحوتاته التي تنوء بحمل أقنعتها.
   حول النحات(جياكومتي) منحوتاته إلى أشباح وجودية فيزيقية, وحافظ على خفة حركتها أو مسارات سلوكيتها. وان حاصر الرأس من أجسادها فانه لم يستطع إلغاء ملامحه إلا في حدود ما توفره هذه الملامح من حدة في تحدي مساراتها.وبدت أجساده تخترق فراغات محيطها الفيزيقي بخفة ورشاقة انزباحاتها الكتلوية. ولم تظهر كما هي منحوتات(سابير) تصارع لوعة فضائاتها بثقل كتلة رؤوسها ولولبية أجسادها المجردة حد فقدان كل ملامحها. وان دخل الفنان في مفارقة مع أعمال(جياكومتي) فانه ادخلها قطيعة ومفهومها الفلسفي, مستعيضا عن ذلك بتعميق حدة ونفور ملامح أقنعته المرتكزة على لوالبها. ومانحا إياها زخما تعبيريا كارثيا.ولم يكن انفراط هذه الملامح إلا انفراطا للأمن أو الصفاء الداخلي بتعسفات محركات خارجية. لم اختار(سابير) هذا العنف؟ الجواب على ذلك نجده في تواريخ موروثة البيئي.
  ربما السر في كون أقنعة الوجوه(رغم التصاقها بالشكل الجسدي الافتراضي) في منحوتات سابير تنحى لأسلبه الاستطالة دوما أو التمدد, أو التمطي قسرا. فهل اعتمد هذا الفعل اللا اختزالي لإدامة لوعة هي في أقسى درجات وضوحها.وليس بخافي ارتباط الفعل الفني(الوجداني) بفاعله الفنان في هذه الأعمال(التي تنحوا لأستطالات مفرداتها الشخوصية) وهذا ما وجدناه في كل من الكلاسيكي (الجيريكو) والتعبيري(مودلياني) شخوص فنية تماهت تماما واستطالات شخوصها المرسومة والمحققة والمشبعة بوجدانيتها المفرطة. وان كان هناك من صنو في التشكيل العراقي لشخوص سابير فهي متوفرة في أعمال النحات(عامر خليل). وعامر(ابن بابل, الجنوبي) هو الآخر متماهي واستطالات منحوتاته المغرقة بمبثوثاتها الوجدانية أيضا. لكن ما يميزها هو اكتنازها رقة وشجن فاضح لا يخفي شاعرية تفاصيل انحدارات تضاريسها. وان كان عامر ابن البستان وعاشق أشجاره(كما هي معظم منحوتاته) فان سابر ابن الجبل(الشمالي) وصلادة انحداراته. وما بين الصلادة وحفيف أجنحة البستان تكمن بعض من أسرار صنعتهم التشكيلية التشخيصية.
 
  هل تود أقنعة الفنان(سابير) ان تعاقبنا. ربما هي كذلك إذا كان الفن عقابا للحد الذي يطهرنا من ذنوبنا. هل هي شاهد على فاجعة علنية أو مستترة. نعم هي كذلك إذا ما كانت فواجعنا تمر بدون ذكرى ولو لاستحضارها فعلا خارج منظومة المعايير الإنسانية النبيلة. أو ربما هي علامة استفهام لاستدراك كل ذلك,وهيكليتها لا تفقد ملامح هذه العلامة. وان كان الفنان يسترجع ذكرى محنة ما فهو ادري بذلك منا. وان أدركنا كل ذلك من خلال إشاراته هذه. فقد نجح في استحضار وتجاوز رموز محننا وبعثرة ملامحنا الوادعة واستبدالها نقائض تكشف زيف هذه الوداعة الغافلة أو المتغافلة عن أزمنة هصر الأجساد البشرية برحى الحروب والإبادات العنصرية. لقد غرس علاماته النصبية في أذهاننا وعلينا التقاط إشاراتها كما هي رسالة من زمن العنف المجاني وعبثيته الفجائعية. ليس عبثا أن يشكل النحت فعلا استفزازيا, وهو كذلك في هذه الأعمال. لقد اختار الفنان الفعل النحتي كعلامات استفزازية بفعل الحفر العنيف لا البناء المتأني. واتسعت الصرخة في بعض منحوتاته بفعلها الأحفوري مثلما اندفعت بقية الملامح تاركة مستقرها تحت زخم الضغط المسلط على جانبي الرأس للحد الذي كادت الملامح ان تنفر من جذرها وتندلق في الفضاء قلقا مستديما ومستعصيا على الإحاطة والتحجيم.
  غالبية الأعمال التشكيلية تتوفر على عنصر اللعب الذي يحتضنها ويفجر طاقات الفنان الأدائية ويحرره من التصورات المألوفة أو المكررة أو المستعادة. وفضاء الحرية الذي يسعى الفنان دوما لولوجه وسبر مسالكه التنبؤية لا يتوفر إلا بعد امتلاء الفنان وتقمصه لروح هذه الحرية الإبداعية. فهل حققت منحوتات (برهان سابير) شروط اللعب التشكيلي. وهل تأتى هذا اللعب من حالة استرخاء أم من إرباك عصبي منهك. ولكون هذه الأعمال تحاور حالات إنهاك الجسد. فلا اعتقد أن ثمة استرخاء قاد خطوات الفنان لتنفيذها. أي بمعنى ما, اعتقدها خارج شروط اللعب. لكن ما يبقيها تحافظ على شروط فعلها التعبيري هو زخم الانفعال الذي تلبس الفنان ساعة تنفيذها.وبما انه زخم انفعالي وخارج سطوة الاشتراطات المعقولة, جاز لنا أن نحسبه لعبا خارج مألوفة العبث وتلقائيته.
  ختاما أجد ان الفنان حافظ على وتيرة إيقاع عاطفي تلبسه لثلاثة عقود من من السنوات. وهو في هذه الأعمال يشتغل على تنويعات بمرجعيات مستعادة تحت ضغط الوسط الاجتماعي وضمن مشروع جماعي اشترك فيه عدة تشكيليين كرد كرسوا القناع واجهة لفضح انتهاكات كبرى تعرض لها أناسهم. وان كان الوجه الإنساني يشكل تضاريس جغرافيا سكنه البيئي, فانه كذلك وكما القناع منه يشكل تاريخ الجرح وبلسمه.